مصطلح [ الوسطية ] .. إيقاعه الرنّان على الأذن يسلبك خيار التفكير أحياناً بمن يدّعيه ويروّجه ، حتى العقل البشري نجده يميل إليه في مُعظم القرارات ويستأنس بوصفه عقلاً متوسطاً بين الأضداد ، وجاء الديّن ليثبت أن الروح ميّالة نحو الوسط فجعلنا الله [ أمّة وسطاً ] !

ولهذا اقتتل الناس على هذا المصطلح كلٌ يدعي نستبه إليه وقام بتعريفه كما يراه هو ، فئة تعتقد أن الوسطيّة هي الوقوف في تمام الوسط .. وبالمسطرة .. بين المتضادّين في المعتقد ، وفئة تؤمن بأن الوسطيّة هي الإتيان بالوسط في الدّين ذاته .. لا إغراق في التمييع ولا تصلّب في التمسّك به ، وثَمّ من يظن أن الوسطية هي منهج التيسير الدائم والبحث عن الرخص وتتبعها ، بعضٌ يرى الوسطية من خلال منظوره هو لنفسه ، وبعضٌ آخر يرى الوسطيّة من خلال إنعكاسه في الأعينِ قبولآً ورفضاً ، فما هي [ الوسطيّة ] !!؟

إن مركز الوسط هو من يصنع الأطراف وليست الأطراف من يصنع الوسط ، الوسط القوي المعتدل يضع نقطته في الدائرة الفراغية ويخلق له المكان الأصح والأصلح ، فتنطلق منه في كل اتجاه حبيبات تشكّل أطرافَ تطرّف ، لا يهم المركز في الواقع ما هي المسافة التي تفصله عن كل نقطة انبثقت منه ؛ بقدر ما يهمّه أن يحفظ إحداثيّاته جيداً حتى لا ينحرف هو بذاته المركز الوسطي المفترض .

ستحدث انفجارات قويّة – أو ثورات ! – في بعض أطر التطرف في الكرة الناتجة عن عدد لا نهائي من الدوائر الفراغيّة ؛ تجعل تلك الأطراف تتحرك يمنة ويسرة بشكل أشبه ما يكون بتوتّر زلزالي سطحي ، وسيتم حينها تغيير مستمر في المسافات بين الأطراف [ المتطرّفة ] والمركز [ الوسطي ] ، وستخرج باستمرار ثورات وانفعالات في بعض النقاط التي توسّطت حسابياً تنسب الوسطيّة إليها مخرجة منها مركز الوسط الحقيقي ؛ معتمدة في ذلك على المسافة العينية التي تفصلها عن الأطراف ، متناسية أن المركز الحقيقي لـ[ الوسطية ] هو مركز القوّة الذي صنع هذه الدائرة ابتداءاً ، وسينخدع الكثيرون بدعوى تلك الثورات الوقتية التي تبنّت الوسط – والوسط لا يُسلّم لهم بذلك – ، ثم يكتشفون بعد أمّة أن تلك المركزية لم تكن إلاّ مركزيّة ووسطية وهميّة ، وأن الوسط حقاً هو ما سخروا منه يوماً !

وعليه .. منهم من يغلبُ هواه فيعود إلى الحق مذعناً منقاداً ، ومنهم من يكابر ويسيطر عليه جنون العظمة ونَفَس الحق المطلق الذي يدّعيه فيبقى ضالاً مُضلاً .

إن [ الوسطيّة ] الحقيقية هي تلك التي جاء بها الكتاب والسنة وفق فهم السلف لنصوصهما ، وإن تلبّس بها – أعني الوسطيةّ – غير أهلها .. وإن ادّعاها غيرهم !

إن الطالب لحقيقة الوسطية يجدها متمثّلة في سيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – وسلوكه كاملاً دون انتقاء .. في تعامله في بيته وسوقه وأزماته .. في مظهره وباطنه .. في سلوكيّاته الأسريّة والعمليّة والإصلاحية والدعويّة .. وحتى في التسلية !!

سيأتي الكثير بعده يدّعي الوسطية على مدى الزمان ، ولذا أرشدنا النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى إحداثيّاتها حتى لا نضل ولا ننخدع بالشعارات .. فقال : [ ما أنا عليه اليوم وأصحابي ! ] .

فلتقم الثورات …
ولينسب كلٌ الوسطية إليه …
هي في النهاية تلك العيشة النبويّة …!

حتى وإن كثر أصحاب الغلو في زمان ومكانٍ وكانت لهم في الرياسة ، حتى وإن انتشر أهل التمييع في وقتٍ وأرضٍ ومُكّن لهم فيها فغدت الأمور تصدر عن أيديهم ، حتى وإن سخر الطرفان [ المتطرفان ] بـ[ الوسطية ] ورموها بضدهم .. فقد أخبرنا أبو القاسم – عليه الصلاة والسلام – : [ ما تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين .. لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ] .

ولا محالة …

سيتهم المميعون أهل الوسطية بأنهم متشددون .. متزمتون .. معقدون نفسيون ، وسيتهم الغالون أهل الوسطية بأنهم مميعون .. مبدلون .. منحرفون عن الصراط المستقيم ، ليكن ذلك فلا حساب ولا جزاء ولا جنة ولا نار عند هؤلاء ولا أولاء ، وسيكون ديدن أهل الوسطيّة الحقة في الرد على كل أذيّة وسخرية [ ... ولنصبرنّ على ما آذيتمونا ] ، والدين ظاهر محفوظ ، والحق منصور باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها !

وإن عرف الإنسان [ الوسطيّة ] يوماً وتمسّك بها ،فإن عليه أن لا يبرح أرضها ، وأن يراجع تمسكه بمنهجٍ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – دائماً ، فلا يغرنّه ظاهر الوسطية بعد أن تلبّس بها من لحية وقصر ثوب وسواكٍ في الجيب وما إلى ذلك ، وكذلك لا ينخدعنّ بدعوى إبليس بتمسّكه بنهج الوسطيّة باطناً ويتحجج بأن التقوى في القلب ، فصلاح الظاهر في الهيئة واللباس والسمت يجب أن يستلزمه صلاح القلب في الباطن ، وصلاح الباطن يستلزم إصلاح الظاهر .

والله رقيب …
والحساب يومئذٍ عسير …
والعمل أصله لرضى الله وحده …
ليس لمخلوقٍ فيه حظ ولو مثقال ذرة …!

غفر الله لي ولكم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تنسوا الدعاء لأختنا هديل …