هذه حلقة خارجية افتتاحية أبتديء بها سلسلة الكتابة هنا ، وضعتها لأن كثيراً من الأحبة ممن يضيفني على الماسنجر يسألني هذا السؤال ، وبصراحة شيء متعب ويستنزف الوقت والجهد إن الإنسان يقعد يشرح لكل واحد إيش السبب والقصة والدوافع والأسباب ثم يأتي صاحبك ليناقش مرة أخرى [ يعني شغلة بالعربي ] ، فكل واحد كان يسألني أقول له إني سأكتب ذلك باختصار في يوميات طالب في كلية الطب … فاعذرونا على الخروج من الموضوع .

من أين أبدأ … ؟!!
دعوني أبتدئ منذ أن خرجت على هذه الدنيا … حيث أكرمني الله بوالدين صالحين ورعين أنشأني نشأة إسلامية وعلّماني كيف أنظر للحياة على حقيقتها ، كانا حريصين جداً على تعليمي أمور ديني وحفظ القرآن الكريم ، دخلت الروضة في مدارس التربية الأهلية ومن أكملت التمهيدي في مدارس رياض الإسلام [ كنا أول دفعة ] ، وبعدهما سُجلت في مدارس الأنصار الأهلية ، أدخلت في حلقة تحفيظ القرآن في مسجدنا من الصف الأول الابتدائي ، ودخلت أول نشاط [ مكتبة ] في صف رابع ابتدائي وكنت حينها مع ثلاثة من الزملاء الوحيدون من المرحلة الابتدائية ، كان والديّ قد رسما لي خطاً كنت اسير عليه … وهو خط التدين .

كانت أمي – متعني الله برؤيتها معافاة – تغرس فيّ حب العلوم الشرعية وحب القرآن وحب الجهاد أيضاً [ إرهابية ^_^ ] ، وكنت – بفضل من الله ومنة منه – مستجيباً لذلك ، حتى إنني في الصف السادس الابتدائي لما حصلت على جائزة التفوق على مستوى المنطقة الشرقية أجروا مقابلة معي سألوني عن أمنيتي فقلت : أكون شيخ !

في الصف الثاني متوسط … حصل الانقلاب المفاجيء لتفكيري ولاحت فكرة دخول الطب في بالي ، وذلك يوم أن سكن في الشقق المفروشة القابلة لبيتنا شخصية طبية معروفة ألا وهي الدكتور خالد الجبير استشاري جراحة القلب .

أول مرة رأيته فيها كان قبل سنة [ في الأول متوسط ] حينما أتى لمركزنا الصيفي [ متوسط - ثانوي - جامعي ] ليلقي علينا محاضرة عن القلب السليم ، وإني أشهد الله أن الدكتور خالد دخل قلبي من تلك المحاضرة .

نعود لما كنا نتحدث عنه … سكن الدكتور خالد أمام بيتنا ، رأيته في صلاة العصر ففرحت لرؤيته كثيراً كثيراً ، لكني لم أتجرأ لأن أذهب وأسلم عليه ، عدت إلى البيت وقلت لوالدي أن الدكتور خالد كذا وكذا وكذا … ، فشجعني والدي – حفظه الله – على السلام عليه والحديث معه وشكره على المحاضرة التي ألقاها علينا العام الماضي ، وهذا ما حصل بالفعل … حيث عزمت على فعل ذلك ، فترقبت الدكتور في صلاة المغرب فلم أجده ، وكذلك فعلت في صلاة العشاء !

المصادفة الجميلة … أن صلى الدكتور خالد صلاة الفجر بجانبي ، وكنت أتلهف لأن أسلم عليه وأسولف معه [ ما شاء الله عليّ رايق من الفجر ] ، انتهت الصلاة فقمت وجلست في مؤخرة المسجد منتظراً للدكتور أن يخرج من المسجد لأسير معه ، لكن الدكتور – كثّر الله أمثاله – جلس في المسجد حتى الإشراق فجلست معه [ وما جلست إلا انتظاراً له فقط ] .

أشرقت الشمس … قام دكتورنا يصلي الإشراق ، ركعتين .. أربع .. ست .. ثم توجه نحو الباب ليخرج، عندها قفزت لأفتح له الباب وتفاجأ بوجودي وقال : وش مقعدك يا وليدي إلى هالحزة بالمسجد !

يا ربي وش أقول له ، أصلي ؟؟ ولا أقرا قرآن ؟؟ ولا .. ولا .. ولا وشو ؟؟ ولا أقول له إني قاعد ودي أسلم عليك ؟؟ عزمت على نفسي أن أتكلم وقلت له : والله يا دكتور إني شايفك أمس العصر وكان ودي أسلم عليك لكن ما حصل ، فيوم شفتك هالحين قلت أبسلم عليك ولا كان ودي قطع قراءتك !!!

وقف الدكتور ثم التفت علي وناظرني وهو مبستم .. وقال : الحين وش أدراك إني دكتور أنت تعرفني ؟!!

فانفتحت أساريري وأجبته بأني أعرفه وأعرف اسمه وأنه أتانا وألقى علينا محاضرة في المركز العام الماضي ، وإني معجب به وبالقصص التي يقولها [ كل هذا ونحن في الطريق ] ، ثم سألني الدكتور : وش ودك تصير إذا كبرت ؟؟ ما فكرت تصير دكتور ؟؟

تلعثمت ولم أعرف أن أجيبه … فسألني : كم نسبتك ؟؟

تبسمت وقلت له بفخر : نسبتي 99 % !!

فقال لي : ليش مهيب 100 % ؟!

ثم بدأ يسولف معي وأنا أستمع إليه [ بصراحة نسيت ما كنا نتحدث عنه ] إلى أن وصلنا إلى بيتنا وشقته … فقلت له بثقة : ورا ما تفضل يا دكتور تفطر عندنا ؟؟ فضحك الدكتور – أسأل الله أن يحفظه – وقال لي : “أهلك نايمين هالحين ” وبدأ يعتذر ثم طلب مني أصعد معه إلى الشقة ليعطيني هديه !!!

وفعلاً … تبعت الدكتور خالد ودخلت معه وطلب مني أن أبقى عند الاستقبال و صعد إلى شقته ثم عاد إليّ ومعه شريط فيديو  وقد كنتُ أحتفظ به في غرفتي ، وهو شريط ” أمراض القلوب ” للدكتور خالد الجبير ، ثم شكرته وانصرف كل منا إلى حال سبيله .

بقي هذا الحوار والموقف في نفسي دافعاً لي لدخول كلية الطب ، لدرجة أن دخول كلية الطب أصبح هاجساً فوالله الذي لا إله إلا هو أني كنت أكتب على أي ورقة أجدها بدون شعور : أنا الدكتور فلان بن فلان الفلاني ، وأيضاً : أنا أحب الطب !!!

بل إني في اختبارات الوزارة للصف الثالث الثانوي جلدت طاولتي ثم كتبت عليها بخط يدي [ على فكرة تراني خطاط ] تعلن الخطوط الجوية العربية [ ؟ ] عن قرب موعد انطلاق رحلتها 1423 من ثانوية الخليج والتي ستحط رحالها في كلية الطب بجامعة الملك فيصل .. فعلى الراغبين الالتحاق بهذه الرحلة ربط أحزمة الجد والاجتهاد !!!

وهكذا … انهيت الثانوية وقدمت أوراقي على الكلية ، دخلت اختبار القدرات ( قياس ) واختبار الكليات الصحية وأحرزت فيهما درجات عالية جداً – والحمد لله – ، لكني بقيت لا أنام إلا قليلاً ، ولا آكل إلا يسيراً ، كان بالي مشغولاً وفكري مشوشاً بانتظار إعلان نتائج القبول في كلية الطب ، أتذكر تلك الأيام جيداً وكيف لي أن أنساها !!!

في اليوم المحدد لإعلان النتائج … أذكر أني كنت مستقلياً في [ مقلط ] البيت ، كنت مستغرقاً في التفكير ، مرة يغلبني التفاؤل وتارة يهجم عليّ اليأس ، أغمض عيني لعلي أن أرتاح قليلاً بعد قيامي المبكر من بعد الفجر مترقباً نزولها في الجرائد .

في الساعة 2:46 ظهراً … وصلتني رسالة على جوالي من أحد الإخوة الأكبر سناً ، وكان نصها : كلية الطب بجامعة الملك فيصل تسعد بإعلانك طالباً فيها .. مبروك يا أبو صالح ، قرأت الرسالة مرة ومرتين وثلاث مرات ، إذ أني لم أستوعبها من اول مرة ، بدأت أقفز وبقوة في كل أرجاء بيتنا وأنادي بأعلى صوت : أنا الآن طالب في كلية الطب أنا الآن طالب في كلية الطب !

… بعد خمس سنواتٍ من تلك القفزة ، سحبتُ ملفي من كلية الطب بجامعة الملك فيصل بالدمام ، لا لسوء فيه ولا فيّ ؛ ولكننا لم نصطلح مع بعضنا البعض ، وقد آثرت أن أنقل يومياتي السابقة وأحتفظ به هنا ، ولذا فإن مُعظم المكتوب في هذه السلسلة هو ما قد كنت كتبته أيام فترة دراستي في الكلية ، والحمد لله رب العالمين !